ابراهيم بن عمر البقاعي

168

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

قبل السيرة النبوية بيسير في الكلام على الكهان : كانت من أخصب أرض اليمن وأثراها ، وأعذبها وأغداها ، وأكثرها جنانا ، وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحال في العرض مثل ذلك ، يسير الراكب من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها ، لا تواجهه الشمس ولا يفارقها الظل ، لاستتار الأرض بالأشجار واستيلائها عليها وإحاطتها بها ، فكان أهلها في أطيب عيش وأرفعه وأهنأ حال وأرغده ، في نهاية الخصب وطيب الهواء وصفاء الفضاء وتدفق الماء ، وقوة الشوكة واجتماع الكلمة ، ثم ذكر خبرا طويلا في أخبارهم ، وخراب ما كان من آثارهم ، وتفرقهم في البلاد ، وشتاتهم بين العباد آيَةٌ أي علامة ظاهرة على قدرتنا على ما نريد ، ثم فسر الآية بقوله : جَنَّتانِ مجاورتان للطريق عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ أي بساتين متصلة وحدائق مشتبكة ، ورياض محتبكة ، حتى كان الكل من كل جانب جنة واحدة لشدة اتصال بعضه ببعض عن يمين كل سالك وشماله في أي مكان سلك من بلادهم ليس فيها موضع معطل ، وقال البغوي : عن يمين واديهم وشماله ، قد أحاط الجنتان بذلك الوادي . وأشار إلى كرم تلك الجنان وسعة ما بها من الخير بقوله : كُلُوا أي لا تحتاج بلادهم إلى غير أن يقال لهم : كلوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ أي المحسن إليكم الذي أخرج لكم منها كل ما تشتهون وَاشْكُرُوا لَهُ أي خصوه بالشكر بالعمل بما أنعم به في كل ما يرضيه ليديهم لكم النعمة ، ثم استأنف تعظيم ذلك بقوله : بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ أي كريمة التربة حسنة الهواء سليمة من الهوام والمضار ، لا يحتاج ساكنها إلى ما يتبعه فيعوقه عن الشكر ، قال ابن زيد : لا يوجد فيها برغوث ولا بعوض ولا عقرب ولا حية ، ولا تقمل ثيابهم ، ولا تعيا دوابهم . وأشار إلى أنه لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره بقوله : وَرَبٌّ غَفُورٌ * أي لذنب من شكره وتقصيره بمحو عين ما قصر فيه وأثره فلا يعاقب عليه ولا يعاتب ، ولولا ذلك ما أنعم عليكم بما أنتم فيه ولأهلككم بذنوبكم ، وأخبرني بعض أهل اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء اليمن - قال : وفي بعضها عنب يعمل منه زبيب كبار جدا في مقدار در - تلي بلاد الشام ، وهو في غاية الصفاء كأنه قطع المصطكا وليس له نوى أصلا . ولما تسبب عن هذا الإنعام بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر ، دل على ذلك بقوله : فَأَعْرَضُوا ولما تسبب عن إعراضهم مقتهم ، بينه بقوله : فَأَرْسَلْنا ودل على أنه إرسال عذاب بعد مظهر العظمة بأداة الاستعلاء فقال : عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ أي سيح المطر الغالب المؤذي الشديد الكثير الحاد الفعل المتناهي في الأذى الذي لا يرده شيء ولا تمنعه حيلة بسد ولا غيره من العرامة ، وهي الشدة والقوة ، فأفسد عليهم جميع ما